حين تربينا غزة "1"
إذا كانت الحياة مدرسة يتعلم منها الناس ما يجعلهم قادرين على النجاح بها، فإن في هذه الحياة محطات تعد هي الفصول الحقيقية التي تنحني بالتاريخ لكي تخطه بشكل جديد و ترسم آفاقاً تشرح للناس الحياة بأبعاد جديدة، تخرجهم في أحسن حلة من المفاهيم و المهارات و المعارف.
و ها نحن نعيش اليوم محطة من المحطات الرئيسة، و فصلاً من فصول هذه المدرسة، إنها موقعة غزة .. و ملحمة الكرامة و العزة، نشهد فصولها على الهواء مباشرة، نتأثر بها، بل هي المنهج الأكثر تأثيراً على فكرنا و ثقافتنا و برنامج حياتنا. إنها تصنعنا من جديد، تبني فينا ما لم يُبنى ، و توقظ ما نام من مفاهيم و قيم على مدى العقود الماضية التي طغت فيها مفاهيم لا أخلاقية و لا مبدئية و لا دينية.
ها نحن نتربى من جديد على أيادٍ أتقنت فنّ إصابة الهدف، و عقول واعية بالرؤية، و ضمائر منتعشة بالحياة. ها نحن نتعلم من كل عملية و كل تصريح و كل حركة و كل سكنة في غزة، و نتغير مع كل تغيير في فيها، سواءاً أشعرنا أم لم نشعر. نعم لقد تغير حديث المجالس، و رأى الشارع ما لم يره من مشاهد، أبناؤنا تغيرت أسئلتهم و تعليقاتهم، و اكتشفنا أنفسنا أكثر و أكثر. فبعضنا اكتشف الرحمة التي في قلبه، و بعضنا زأر الأسد في ذاته، و الآخر جرت بالأخوة عروقه ، و لا يخفى أن البعض اكتشف جبنه و خذلانه، و آخرون اكتشفوا نفاقهم و وخزيهم. كلنا تعلمنا .. كلنا اكتشف ذاته و صنف نفسه، و مع كل حدث نسمعه في اليوم بل في الساعة بل في الدقيقة نكتشف أخاً أو صديقاً أو عدواً.
لله درك يا غزة.. أي مدرسة أنت! عادلت في التاريخ مواعظ عظام، بل فقت كثيراً منها...
لقد أطلقت غزة مفاهيم و قيم عملية لم نكن نعرفها إلا في قصص التاريخ أو عبر شعارات عظيمة يرددها المنشدون أو في الخطب الرنانة. شعارات لم نكن نعلم يوماً أنها ممكنة التطبيق، فهي تسمع و لكنها لا ترى بالعين المجردة. و لكننا اليوم نراها تطبيقاً عملياً أجزم أنه أكبر من أي جامعة و أي دورات تدريبية تعلم المهارات. فمهارات الثبات على المباديء رأيناها عياناً و تطبيقاً، و مهارات الصمود لمسناه حتى وددنا تقبيلها على رأسها، و مهارات التفاني أبهرتنا حتى دفّقت فينا أملاً كنا نظن أننا نعرفه.
علمينا يا غزة فنحن نسينا..
فحين يغيب القادة أنت القائد، و حين يغيب العلماء فأنت العلم و الفقه، و حين تغيب الرحمة أنت الإنسانية، و حين تعتزل الكرامة فأنت العزة، و حين يغيب المعلم فأنت المدرسة.
نعم لقد تعلمت الكثير منك يا غزة في أربعة عشر يوماً ما لم أتعلمه في المدارس إثنا عشر سنة، و ما لم أتعلمه في الجامعه أربع سنوات و ما لم أتعلمه في دراستي العليا لسنتين. تعلمت و ما زلت أتعلم و أعلم أن في جعبتك الكثير و لكنني أعدك أن أكون تلميذاً نجيباً، يفهم الدرس، يبحث ما بين السطور، يطبق ما يتعلم. و لذلك آليت على نفسي أن أكتب هذه السطور مما أتعلمه من مدرستك، و هذا أول الغيث..
غزة تربي أمة "2" الربانية و النصر
ما الذي راهنت عليه غزة في دخولها معركة من أشرس المعارك مع أعتى القوى في المنطقة المسنودة من أعظم دولة بل أكبر هيئة أممية في الكون؟
أراهنت على الصواريخ؟ أم على موقعها الجغرافي ؟ أم على عدد سكانها؟ أم على جيرانها؟
لا أعتقد أنها راهنت على شيء من ذلك، فصواريخها البدائية محلية الصنع لا تساوي شيئاً من ناحية الأثر المادي مقارنة بالآلة اليهودية الفتاكة . و مساحتها الجغرافية لا تتعادى 40 في 10 كيلو متر محاصرة بالمستوطنات الإسرائيلية شرقاً و شمالاً، و بتضييق عربي جنوباً، و ببارجات بحرية إسرائيلية غرباً تكاد تجعلها في حالة من الاختناق الاستثنائي على مستوى العالم. أما عدد سكانها و الذي تعتبر فيه غزة البقعة الأعلى كثافة سكانية على وجه البسيطة مما يشكل قلقاً شديداً في خوض حروب كهذه. و أما جيرانها فهم أشد عليها من وقع الحسام المهندِ.
فالرهان لم يكن على المقومات الاعتيادية لانتصار الشعوب، و الذي يؤكد فيه كثير من الكتاب و النقاد و المحللين أن وضعاً كوضع غزة لا يمكن بكل معطياته أن يؤدي إلى انتصار. و لكن الرهان كان على جيل رباني صنع في المساجد. جيل لم يحمل البندقية إلا بعد أن حمل القرآن في قلبه، جيل أسماره الذكر، و زاده الزهد عن الدنيا. فكلما استشهد مجاهد من أبطال غزة ذكرت سيرته الذاتية، فكان من أهمها و أكثرها هي البوارق الإيمانية في حياته، كحفظ القرآن و صوم النوافل و قيام الليل. هذه هي المراهنة الحقيقة و هذا هو التحدي، أن تستطيع في زمن المحن و الفتن و التخذيل أن توجد جيلاً قرآنياً ربانيا، الميزان عنده في الخطأ و الصواب هو الشرع أولاً،جيلاً أخذ الكتاب بقوة، و كما يفسر ذلك ابن كثير " يا يحي خذ الكتاب بقوة" : أي تعلم الكتاب بجد و حرص و اجتهاد، و هذا ما كان في غزة.
و لذلك فإننا نجد قادتهم من حفظة كتاب الله لا و بل من أصحاب الروايات للقراءات فهم يعلمون انه " لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها" مسترشدين بمحطات التاريخ الذي أثبت أنه ما أن تنحط الأمة في مستوى علاقتها بالله حتى تنهار ،كحال الفساد الذي كانت تعيشه الأمة في زمن التتر، و ضياع أمر الدين في الأندلس حتى فقدت عن بكرة أبيها و كم ذكر التاريخ من فساد علاقة الولاة بالله و ضعف عقيدتهم و كثرة انحرافاتهم، و لقد جاءها في عام (1090 م) القائدً يوسف بن تاشفين عالماً ورعاً، و كانت الأندلس على أسوء حال في ذلك الزمان، جاءها ليججد أمر دينها،فوصف بدر الشيخ القائد ابن تاشفين في الكامل بقوله:
"كان حليمًا كريمًا، دينًا خيرًا، يحب أهل العلم والدين، ويحكّمهم في بلاده، ويبالغ في إكرام العلماء والوقوف عند إشارتهم، وكان إذا وعظه أحدُهم، خشع عند استماع الموعظة، ولان قلبُه لها، وظهر ذلك عليه، وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام..." فكان جيشه من طلبة العلم قوامي الليل صوامي النهار فوحدها و حررها و كأنه فتح جديد للأندلس. و من كان صلاح الدين و جيش صلاح الدين غير أولئك الذين تربوا في أحضان مدارس نور الدين زنكي، ذلك الرجل الذي وصف بتقواه و حرصه على قيام الليل، و قد التحق صلاح الدين – الذي يعتقد البعض أنه قائد عسكري لا غير- التحق بدور العلم الإيمانية التي أنشأها نور الدين، و قد تعلم على يد كبار العلماء كمثل قطب الدين النيسابوري، و سمع الحديث من الحافظ أبي طاهر السلفي، و أبي طاهر بن عوف، و عبدالله بن بري النحوي و غيره. و تذكر الأخبار أنه لورع محمود الدين الزنكي عده المؤرخون سادس الخلفاء الراشدين، و كان قادة جيشه بنفس الدرجة من الورع بل و العلم و الفقه.
لقد عرفت غزة المعادلة، و هو أن البناء الحقيقي للأمة هو في بناء الفرد و الجماعة الصالحة، و أن هذا البناء لا يتأتى إلا برعاية إيمانية حقيقة و جادة، روحها القرآن و مزاجها سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام.
و هذا ما جعل الدنيا رخيصة في عيونهم و ثبتوا على موقفهم، مذكريننا بموقف الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم: " والله لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في شمالي على أن أترك هذا الدين ما تركته"
أجل لقد لمسناها باستشهاداتهم القرآنية و النبوية، و لحظناها على وجوههم النورانية و رأيناها على شهدائم و هم يرفعون السبابة.
ولذلك فنحن لا نعجب من استهداف إسرائيل في حربها الضروس للمساجد، فهي تعلم كم لها من أثر في قوة الأمة و بنائها، وقد أصبحت في غزة المدرسة الأولى التي تخرج هذه الأجيال، مقتدين برسولهم الكريم الذي أول ما بدأ في بناء الدولة الإسلامية في المدينة بدأ بالمسجد، وهكذا فعل من بعده من نشد النصر، فمحمود الدين زنكي ركز على بناء المساجد لإعداد الأجيال حتى أنه بنى في مدينة دمشق وحدها ما يزيد على مائة مسجد.
و علمت إسرائيل أيضاً أن أن الخطر عليها قادم ممن يتعهدون الشباب في المساجد فاستقصدتهم بصواريخها. و إلا فما الذي جعل إسرائيل تدفع ثمناً باهضاً بسمعتها في قصف شيخ قعيد لا يملك أن يحرك ساكناً عوضاً عن أن يطلق صاروخاً. ذلك أنه مدرسة تربوية إيمانية..
علمينا يا غزة كيف نربي أجيالنا و أين.. فلقد تهنا بعيدا