في اتصال من أختي منى الشيبة مديرة مدرسة مشيرف النموذجية بعجمان طلبت فيه مني زيارة لمدرستها، وبالذات زيارة المدرسة ( سيدة)، تلك المدرسة التي تفاجأت لإنجازها الكبير الذي لم أتصور أن تلتقف قكرة قلتها في إذاعة أبوظبي هذا الاتقاف الرائع وإحراز نتائج غير عادية على الصعيد التربوي التعليمي، فقبل سنة من الآن تقريبًا وكان ذلك في بداية السنة الدراسة 9/2005، استضفت في حلقة من برنامج أسري بإذاعة أبوظبي وكان الحوار حول تحفيز الأبناء على الدراسة، وفي مجمل الكلام ذكرت تجربة رأيتها في أمريكا وهي اشتراك أولياء الأمور والجيران في إنجاز بعض المهمات التربوية للمدرسة تطوعًا، من أعلى المستويات كالتدريب إلى أقلها كالتنظيف، وقد كانت تلقى تلك الدعوات استجابة كبيرة، ولها أثر كبير على الطالب حينما يرى والديه أو أحدهما في المدرسة يشارك في الإنجاز، ذكرتها كنقطة عابرة، ولكن تلك المعلمة المتميزة التقفتها وبدأت مشروعها في دعوة الأهالي للمشاركة في تربية أبنائهم في المدرسة، وخصصت لها المديرة فصلاً لإنجاز تلك المهمة، دعتني تلك المعلمة بعد ثلاثة أشهر من التجربة، فحضرت لأرى فصلاً قد قسم إلى قسمين، قسم يحوي الطلاب مع المعلمة، وقسم فيه الأمهات يعملن على ابتكار الأساليب وتحضير الأدوات للمعلمة للتدريس، وكان عدد الأمهات الموجودات في ذلك اليوم 9 أمهات.
كان الفصل نشيطًا جدًا ومتفاعلاً إلى أبعد الحدود، وكان ابتكارات الأمهات ملفتة للنظر، وكانت المعلمة " سيدة" تدير العملية بشكل سلس ورائع.
حين رأيت حماس الأطفال استنتجت بأن ذلك الحماس بسبب وجود أمهاتهم، ولم يذهب ظني بعيدًا فقد كان للحضور بالغ الأثر، فتوجهت بالسؤال للأمهات، بأجابتني إحداهن بأنه لستغربن في البداية من دعوة المعلمة لهن لخوض هذه التجربة، وشككن في نتائجها، أو بالأحرى بفائدة وجودهن في المدرسة، فلم يحضر في البداية إلا العدد القليل، فلما رأين أن أبناءهن فرحوا بقدومهن وبدؤوا بتفاعل غير مسبوق، بدأن يتفاعلن أكثر والأمر الأكثر إيجابية، هو أنهن رأين مستوى أبناءهن عمليًا، وبدأت كل واحدة تعرف أسلوب المعلمة وتعرف ما الذي يحتاجه الابن، فبدأت كل من حضرت تحث التي لم تحضر على الحضور وهكذا أصبح العدد من الأمهات يزداد حتى جاوز الاثنى عشر أم.
وأخبرتني بقية الأمهات أنهن لاحظن فرقًا كبيرًا في مستوى أبنائهن في مادة الرياضيات منذ أن بدأت الأمهات الحضور والمشاركة في المدرسة.
أقول أولاً للمدرسة سيدة " والبلد الطيب يخرج نباته طيبًا بإذن ربه"، لقد سمع البرنامج الكثير من الناس، ولكن البذر ينبت فقط في الأراضي الطيبة، وكان ذلك منك.
ثانيًا، إن كثيرًا مما يطبق في الغرب أفكار وليدة صغيرة سرعان ما تكبر، والفرق بيننا وبينهم أنهم يحاولون تطبيق الأفكار ونحن نقف عند الفكرة ولا نتجاوزها.
ثالثًا، على المعلم أن يعلم أنه قادر على تفعيل الأهالي، ويكف عن التذمر منهم، ويبدأ بابتكار الطرق الابداعية التي تكون كفيلة بجذبهم والاستفادة منهم، فإن المدارس وللأسف قد اعتادت أن لا تدعو أولياء الأمور حتى تحصل مشكلة من الابن تستدعي ذلك.
فهنيئاً لنا بمعلمات كمثل المعلمة " سيدة" والتي ضربت مثالاً حيًا على أن المعلمة العربية لما تميزها، وأن المجتمع العربي ذو قدرة عالية على الإبداع التربوي لو أعطي المجال.