لعل من ابرز المتغيرات التي عصفت بالمجتمعات العربية عدة ظواهر اجتماعية ، من أبرزها ظاهرة هروب الفتيات من منزل الأسرة إلى الشارع وهذه الظاهرة بكل ما تحمله من معان وأخطار وضياع تستحق الدراسة وتدق أجراس الخطر ، في مجتمعاتنا التي تعتني بالترابط العائلي وتعلي من قيمة العرض تصبح هذه الظاهرة أمرا خطيرا ، وانها من أخطر المشاكل التي تسهم في تنامي الجرائم اللاأخلاقية علما بأن الأسباب ليس بالضرورة بقصد علاقات غير شرعية بل نتيجة ضغوط داخل الأسرة. .
أرى من وجهة نظري أن مشكلة هروب الفتيات في معدل متزايد، واستدل على هذا الأمر من واقع عملي في مجال المعالجة والاستشارات النفسية والاجتماعية ، فقد اتلقي العديد من حالات الهرب أسبوعياً، ناهيك عن لقاءات حية مع والدات عدد من الفتيات اللاتي هربن من أسرهن ، مما يدفع بضرورة المبادرة الأسرية في احتواء الأبناء المراهقين وفهم طبيعتهم والتواصل الإيجابي والإرشاد بطريقة غير مباشرة، وعدم التفرقة بين الأبناء وإعطائهم الإشباع العاطفي والرعاية والاعتدال في أساليب التربية دون افراط أو تفريط، وعدم تزويج الفتاة رغماً عنها، وإذا كان الوالدان أصدقاء لأبنائهم وبناتهم الحد من تأثير الأصدقاء عليهم.
هروب الفتيات ليس مشكلة محلية تخص المجتمع الخليجي وحده كما أظهرتها بعض وسائل الإعلام ، بل هو مشكلة عربية انتشرت في الآونة الأخيرة بعدما كانت محصورة في المجتمعات الغربية .
من الملاحظ انه تكثر حالات هروب الفتيات في فترات الامتحانات، وظهور النتائج التي تتسم بظهور بعض حالات الاكتئاب وعدم التوافق الأسري.. والإناث في مرحلة المراهقة قد يتولد لديهن إحساس بأنهن منبوذات من قبل زوج الأم أو زوجة الأب، وقسوة الإخوة الذكور، مما يدفعهن للهروب والكذب وانتحال اسم آخر والادعاء بوفاة الوالدين وعدم وجود أقرباء أو عائل مادي
هناك العديد من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية لتلك الظاهرة، حيث تختلف أسباب الهروب ما بين رفض للواقع الأسري من فرض الرقابة والوصاية على الفتاة وتمرد من الواقع التربوي، وذلك نتيجة لعدم تفهم الأسرة لآلية المعاملة مع الفتاة.
كما أن عرض مسلسلات أجنبية لا تتفق ومجتمعنا يؤثر في سلوكيات العديد من المراهقات بعد أن يتحقق لهن الإقناع بضرورة التقليد والعيش بحرية وجرأة.
أسباب الهروب
ضعف الوازع الديني : لدى الفتيات الهاربات وأسرهن ومخالطات رفيقات السوء والتفكك الأسري والطلاق، إلى جانب الأسباب الدراسية كالهروب من التعليم وسوء التكيف الدراسي.. وقد يكون الهروب من الريف للحضر سعيا وراء مظاهر المدينة وبريقها بدون رقابة أو رعاية أسرية.
التفكك الأسري : ففي مجتمعنا هناك عدداً من الأسباب التي تدفع الفتاة المراهقة للهروب من المنزل أولها: انعدام التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة، وبين الأسرة والفتاة، وذلك بسبب المشاكل الأسرية، أيضاً التربية (الصارمة) التي ينتهجها كلا الوالدين أو أحدهما كالاعتداء اللفظي بكثرة التوبيخ أو البدني بالضرب أو الجنسي، ويندرج تحت مفهوم التربية الاعتدال في التربية عدم التفرقة بين الأبناء وإشاعة سياسة الثواب معنوياً بالمدح أو الابتسام والتشجيع أو المكافأة المادية، من الأسباب أيضاً رفيقات السوء اللائي غالباً ما يحتكمن إلى القوانين التي تحكم الجماعة أي بالمفهوم العام.
إحدى الهاربات من منزل كانت سبب خروجها, انفصال والديها ومكوثها عند جدتها المُسّنة، فأجبرها والدها على الزواج من صديقه, وعمرها (14) عاماً فهربت منه إلى إحدى صديقاتها التي استغلتها .
العلاقات العاطفية
تكوين العلاقات العاطفية التي يكون منشأها نتيجة الحرمان العاطفي الذي تعانيه الفتاة في أسرتها سواء من الأب أو الأم، فالمراهقون بشكل عام يحتاجون في هذه المرحلة العمرية إلى اشباع تام في هذه الجوانب من قبل الوالد ، فمن القصص فتاة تبلغ السابعة عشر اكتشفت والدتها بالصدفة عزمها على الهروب مع شاب بعد سماعها وهي تتحدث معه عبر الهاتف الثابت، وفهمت الأم من سياق حديث الفتاة شكواها المستمرة من تسلط وقمع أشقائها الذكور وحرصهم المبالغ فيه لأن والدها متوفى وتتعرض للعقاب البدني واللفظي في حالة الخطأ ووالدتها لا تحرك ساكناً.. لأنها ترى أن ذلك في مصلحتها ومن خلال الفراغ العاطفي انجرفت في تكوين علاقات عاطفية مع الشباب .
صديقات السوء : يستطيع الأهل النظر في رفيقات الفتاة من خلال مقابلتها شخصياً أو بسؤال المدرسة, ومن متابعة أحاديث الفتاة الهاتفية معهنّ بشكل غير مباشر!!
التقليد الأعمى لو سائل الإعلام : لعبت وسائل الأعلام دوراً كبيراً في تغيير أفكار فتياتنا من خلال أحاديث الفنانات التي دائماً تشير إلى أن سبب نجاحها, هو هروبها من منزل أسرتها لتحقق رغباتها الشخصية, وأيضاً من عرض المسلسلات الأجنبية التي لا تتفق مع تعاليم ديننا حيث تزين لهنّ الحرية والانطلاق للعالم الخارجي دون قيود؟!
التدليل الزائد : هو سلا ح ذو حدين ,وسريعاً ما تُصاب الفتاة بالملل من حياتها الرتيبة بنظرها!! وتنشد الإثارة من خلال اقتحام المجهول أياً كان؟!
الضغط على الفتاة بالزواج من رجل مُسنّ
وقد تهرب الفتيات نتيجة للضغط عليهن بالزواج من شخص مسن، وخاصة في الأسر الفقيرة التي يتقدم لها الأثرياء ،فمن القصص فتاة تدرس في المرحلة الجامعية هربت من المنزل لأن أهلها يودون تزويجها من رجل لا ترغبه وهي تخشى مصارحة والدها لأنه قاس جداً.
غياب الرقابة المنزلية: بداعي الثقة تغيب الرقابة عن الفتاة, فتصبح أداة لأهل السوء على كافة مراتبهم! سواء في المنزل أو خارجه وهذه هي النتيجة الطبيعية لفتيات لم يجدن الراحة التامة في بيوت آبائهن ووجدن مختلف الأساليب الاغوائية والمغريات من قبل الشباب في ظل ضعف رقابة الوالدين على وسائل الاتصال من جوالات وانترنت وغيرها.
المؤثرات الإعلامية السلبية
هناك نماذج لفتيات مراهقات هربن من أسرهن بعد مشاهدتهن لأفلام تصور الإطار الأسري على أنه قيد، وأن التحرر منه انطلاق إلى عالم الرفاهية والنجاح.
هذا إلى جانب الظروف الاقتصادية وتطلعات الفتيات المراهقات من الطبقات الدنيا إلى الثراء واللاتي يتم التقاطهن لتحويلهن إلى سلعة في سوق الرقيق الأبيض. هذا إلى جانب الظروف الاجتماعية والأسرية القاسية، وتزايد حدة الخلاف بين الآباء والأبناء من خلال الفجوة بين الأجيال وعدم تفهم كل منهما للآخر.
أنواع الهروب:
هروب معنوي : وهو الأكثر شيوعاً وذلك لطبيعة المجتمع المحافظ, ولخوف الفتاة من الأسرة, فتنعزل الفتاة نفسياً وتبقى في غرفتها مدةً طويلة, حيث تجعل لنفسها عالماً آخر من خلال الأحاديث الهاتفية, أو المحادثة عبر الإنترنت, فتملأ هذه المحادثات عقلها ووجدانها, يطمئن فيها الوالدان بأن أبناءهم وبناتهم يواكبون العصر أمام شاشة الكمبيوتر، وهذا بنظرهم آمن من الخروج للنزهات؟!! وقد تستيقظ الأسرة ذات صباح على فاجعة هروب الفتاة .
هروب مادي : بسبب كثرة الرفض من الأهل لمتطلبات الفتاة, وكثرة الجدال ,يؤدي إلى الإحساس بعدم إشباع حاجتها النفسية من الحب والتقدير, فتزداد الفجوة بينها وبين عائلتها, وقد تُصاب الفتاة بالاكتئاب، وتصل في نهاية المطاف إلى فكرة الهروب.
الحلول:
يجب أن تقترب الأم من فتاتها برفق، وخصوصا في مرحلة المراهقة، وأن تجمع ما بين الحزم واللين مع المراقبة بطرق غير مباشرة. وأوجه حديثي إلى الأمهات العاملات اللواتي يفضلن العمل على رعاية أطفالهن بأنهن بذلك يوجدن وحوشا ويزرعن القسوة في قلوب أبنائهن..
فأولى لهن، وخصوصا عندما يكون لديهن أطفال، أن يتفرغن نفسيا واجتماعيا لرعاية الأبناء، ويضعن ذلك على قائمة الأولويات، ويتخذن وسائل إيجابية لمحاربة الهروب بأن ينتقدن مثلا وبأسلوب علمي ما يعرض من قصص وحكايات من خلال وسائل الإعلام، ويحذرن بالأدلة مما قد تتعرض له الفتاة إذا فكرت في هذا الأمر. هذا إلى جانب أنه يجب أن تدقق الأم وتتعرف على رفيقات فتاتها، وأن تبعد عنها رفيقات السوء.
- كفّ الممارسات الذكرية المتسلطة على الفتاة من قبل إخوانها وأحياناً والدها!
- مراعاة التركيبة النفسية والهرمونية للفتاة, وخاصة فترة الامتحانات والدورة الشهرية!
- توعية الأسرة بأساليب التربية السليمة!
- تفعيل دور الأخصائية الاجتماعية في المدارس!
- دور الإعلام الهادف في محاربة هذه الظواهر السلوكية, والمعاكسات الهاتفية!!