حينما تذهب في جولة بين المدن الإيطالية، يلفت نظرك أمر عجيب جدا، أمر لا تكاد مدينة صغيرة كانت أم كبيرة تخلو منه، منظر يثير التعجب ،و يحاصر ذهنك بسؤال: لماذا يكثر هذا المظهر ويتكرر في كل مكان؟ حتى أنك في الساحة الواحدة تراه قد تكرر عشرات المرات ولا أبالغ حينما أقول ذلك، فهو منظر مألوف في إيطاليا ، حتى ليكاد السائح يجزم بأن هذا المظهر كان أمرا رئيسيا في حياة هذا الشعب، ولو غاب عن مكان من الأماكن يعتبر هذا المكان شاذا عن هذا البلد الذي اعتاد على أن يجعل له في كل مكان صنماً عارياً، أجل هذه الظاهرة الغريبة منتشرة هناك، أصنام لبشر عراة لا يغطي أجسادها أي شيء، يكشف كل تفاصيل جسد الإنسان بطريقة غريبة وعجيبة، طريقة تثير التساؤل وفي نفس الوقت تثير الاشمئزاز. في رحلتنا إلى إيطاليا ونحن نمضى مع الدليل السياحي في أحد المدن سألت الدليل السياحي: لماذا هذه الظاهرة ولماذا كان الإيطاليون يحرصون على وجود تماثيل عارية، فأجابني الدليل إجابة كانت بمثابة التبرير المثير للضحك، لقد كانت إجابته غريبة وعجيبة، يقول ذلك الشخص الإيطالي بأن الإيطاليين كانوا حريصين على أن يبينوا جمال هذا المخلوق، ويريدوا أن يقولوا في فنهم هذا -الفن الإيطالي العجيب- بأن هذا الإنسان أجمل مخلوق في هذا الكون.
و راودني سؤال في لحظتها: يريدوا أن يقولوا لمن؟، أيقولوه للحيوان؟، أم يريدوا أن يقولوه للنبات؟، أم يريدوا قوله للخالق؟.
غريبة تلك الأفكار وغريبة تلك التحليلات، حينما يريد الإنسان أن يقول أنه أجمل مخلوق يكشف ما ستر؟!!إجابة أغرب من سؤال!
لقد مارس الإيطاليون كل مايريدون من إباحية في فن التماثيل و النحت، فلم يتركوا لأي منظر أومظهر يمكن أن يكون فيه وضع عري إلا و صنعوا منه تمثالاً. حتى تلك المقاطع الجنسية الفاحشة الممنوعة عرفاً و فطرة جعلوها حاضرة للعيان، وماثلة في ساحاتهم الرئيسية ، فلا يستطيع العابر صغيراً كان أم كبيراً أن يتجنبها، الكل يراها، الكل يرى هذه المناظر ويقف أمامها، وبالتأكيد هم لم يصنعوها ولم ينصبوها في ميادينهم الرئيسية إلا لكي تكون معلماً من معالمهم، حيث يقف الناس ليلتقطوا الصور معها، فما هو أثر العري؟
إن الإنسان حينما يرى هذه المناظر، ويرى انها معظمّة ويرى كم هي ممجدّة، يترسخ في ذهنه، أن ما يراه هو الوضع الطبيعي، وأنه الأصل في الحياة الإنسانية، و بذلك ينسلخ من الإنسان الشعور بالحياءأصل أأنننأاأ من كشف عورته، فالعورات مكشوفه في كل مكان، بل إنها في الأمكان الرئيسية و المعظمة المجتمع، حيث الكنائس و القصور، وهي تدعوا وتقول أن تعروا وأبدوا جمال أجسادكم بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب، و الأعجب من ذلك هو أننا حينما سألنا عن شخصيات التماثيل ، علمنا أنها تمثل أشخاص مشهورين عظماء في تاريخ إيطاليا، نصبت لتخليد ذكراهم و تمجيداً لهم ، وهي عارية متجردة من الملابس، و هذه دعوة لكل شخص يمر بهذه الساحات، أن يكون كمثل أولئك العظماء بلا حياء، فيهون على الإنسان أن يتعرى ويهون على الإنسان أن يعيش بلا ستر أمام الناس، وهنا يقع المجتمع الإيطالي في براثن الفساد الأخلاقي، و لذا تعتبر إيطاليا من الدول الإباحية التي تكثر فيها مسائل الزنا والخيانات الزوجية والشذوذ الجنسي، حتى وصل الحال بهم في هذه السنة أن يناقشوا زواج المثلين، أي الزواج بين الشاذين جنسياً ، و هي دعوة غير مستغربة هذه الأيام ، و لكنها تصبح مستهجنة حينما تصدر من إيطاليا التي فيها الفاتيكان ، قبلة النصارى التي تحرم الشذوذ.
كل هذه المناظر كان لها أثر غير عادي في الحرب على فطرة الإنسان و هو في رحلة بحثه عن المبادىء والقيم للحياة. ومن الانعكاسات الطبيعية أن صور الدعايات التي هي موجودة اليوم في ساحات إيطاليا تحاكي بسمتها تلك التماثيل، فالعري الذي كان يتمثل في التماثيل سابقا يستنسخ في صور الإنسان الذي يظهر بصور كبيرة و كثيرة وضعت على المباني والساحات ،عارية تماما متجردة من الملابس أو شبه متجردة، تؤكد نفس الفكرة التي رسخت من قبل، حلقة في سلسلة ممتدة من قديم الزمان، الشعوب التي لا تشعر بالحياء قد أرسلت لها رسالة من عمق التاريخ يقال فيها: "لا تستحِ و اصنع ما شئت"، وكذلك صنع المجتمع الغربي حينما خلع ثوب الاستحياء، لم يتركوا شيءاً إلا وفعلوه، فأنشأوا أندية العراة و فتحوا أبوابها لكل قاصد للتبذل من الشرق و الغرب ، وأصبحت الملابس الفاضحة سمة من سماتهم الشخصية.
إن الديانات السماوية كلها وضعت ضوابط تحكم لبس الإنسان، و رفضت التعري، ثم جاء الإسلام لكي يؤكد مثل هذا المعنى، ويجعل الحياء هو رمز من رموز المؤمن وشعار من شعاراته ، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:((الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة ، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار)) ((الترمذي)) والأحاديث في هذا الأمر كثيرة لا نستطيع أن نحصرها ونذكرها في هذا المقال، فكلمة الحياء كلمة عظيمة تحمل الكثير من المعاني. الحياء هو الفرق بين ما يعيشه الإنسان من فطرة وما يعيشه انخلاعاً منها، و هي الفرق بين الإنسان السوي و غير السوي، و بين من تتحرج أن تتعامل معه و من لا تتحرج . و في حقيقة الأمر هو لا يبدي جمال الإنسان بقدر ما ينم عن قبح أخلاقه فالجمال الحقيقي هو في امتلاك الإنسان تصرفاته وامتلاكه الجمال الاختياري، أي أن الجسد خلقه الله سبحانه وتعالى، ليس من خياره وليس من إنتقاءه، فلم يصنعه بنفسه و لم يشارك حتى في صنعه، فالجمال "أتاه عفوا بلا رأي ولا عقل منير"، ولكن الجمال الاختياري هو الجمال الحقيقي الذي يكون فيه الإنسان قادرا على ضبط نفسه و امتثاله لنداءات الفطرة السليمة، يقول الله سبحانه وتعالى: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (الأعراف: 26) قال الطبري: يقول جل ثناؤه للجهلة من العرب الذين كانوا يتعرون للطواف اتباعًا منهم أمر الشيطان وتركا منهم طاعة الله، فعرفهم انخداعهم بغروره لهم حتى تمكن منهم فسلبهم من ستر الله الذي أنعم به عليهم حتى أبدى سوآتهم وأظهرها بينهم مع تفضل الله عليهم بتمكينهم مما يسترونها به، وأنهم قد سار بهم سيرته في أبويهم آدم وحواء اللذين دلاهما بغرور حتى سلبهما ستر الله الذي كان أنعم به عليهما حتى أبدى لهما سوآتهما فعراهما منه.
{تفسير الطبري: ج8 ص146}
أي أن هذا الإنزال الذي جعله الله للإنسان متمثلاً بعنصر الاختيار فيه مكمن الجمال، الجمال من اختيارك أنت لا من أمر قد أتاك عفوا، والجمال هو الذي أنت تصنعه حقيقة، فالحياء هو الجمال الحقيقي الذي يمتلكه الإنسان، أما ذلك الضرب من الفنون الذي يصور الإنسان عارياً إنما يمثل القبح الحقيقي الذي يصنع مجتمعات بلا حياء ويخرج جيلا فاضحا. وهنا أقول لأمتي ولمجتمعي حذاري من هذا التعري ولنتوقف أمام تلك المظاهر التي بدأت تظهر في مجتمعاتنا من تفسخ أجساد ووضع لصور فاضحة لا يرضاها خلق و لا دين ولا ترضاها أعراف البشر، ولا أعراف مجتمعنا الفاضل، حذاري من أن ننزلق في هذا المنزلق الذي هوت فيه تلك المجتمعات الواهية المفككة ، والتي وصلت لمرحلة الحضيض في تماسكها وفي دينها وحتى مستوى تعاملها مع الناس والبشر من حولها’ لسنا نحن من يحمل هذا الأمر وإنما نحن أمة الحياء لقول سيِّد الأنام عليه الصلاة والسلام : (( إنَّ لكل دين خلقاً ، وخلق الإسلام الحياء )) ((موطأ مالك ، وسنن ابن ماجه )).
إذا قلَّ ماءُ الوجْهِ قلَّ حياؤه *** ولا خير في وجه إذا قلَّ ماؤه
حـيـاءَك فـاحـفـظـه عـلـيــك فـإنـما *** يـدل عـلى وجــه الــكــريـم حــيــاؤه